سيد محمد طنطاوي

513

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقد بشرهم - سبحانه - بجنات عدن ، ثم بشرهم ثانيا بأن الأنهار تجرى من تحتهم ، ثم بشرهم ثالثا بأنهم يحلون فيها من أساور من ذهب ، ثم بشرهم رابعا بأنهم يلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ، ثم بشرهم خامسا ، بأنهم يتكئون في تلك الجنات على الأرائك . وفي هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح ، الذي يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين ، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء ، واللَّه ذو الفضل العظيم ، نسأل اللَّه - تعالى - أن يرزقنا هذا الفضل ، فهو أكرم مسؤول ، وأعظم مأمول . ثم ساقت السورة الكريمة مثلا للنفس الإنسانية المغرورة المتفاخرة بزينة الحياة الدنيا ، الجاحدة لنعم اللَّه . . . وللنفس الإنسانية المتواضعة ، المعتزة بعقيدتها السليمة ، الشاكرة لربها . . . لكي يكون في هذا المثل عبرة وعظة لمن كان له قلب ، فقال - تعالى - : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 32 إلى 36 ] واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنْه شَيْئاً وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ( 33 ) وكانَ لَه ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِه وهُوَ يُحاوِرُه أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) ودَخَلَ جَنَّتَه وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِه قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِه أَبَداً ( 35 ) وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) والمثل في اللغة : الشبيه والنظير ، وهو في عرف القرآن الكريم : الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع . وضرب المثل : إيراده ، وعبر عن إيراده بالضرب ، لشدة ما يحدث عنه من التأثير في نفس السامع .